عبد الملك الثعالبي النيسابوري
342
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فصل من كتاب له إلى أبي علي وأبي القاسم العلويين في التعزية عن أبيهما أبي الحسين بن أبي محمد رضي اللّه تعالى عنهم ! كتابي - أطال اللّه بقاء الشريفين - والدهر ينعي مهجته ، والمجد يندب بهجته ، والشرف محصور في قبضة حينه ، والفضل مفجوع بناظر عينه ، والذكر الجميل مجدّل لمصرعه ، والخلق الوسيع موسّد في مضجعه ، ورسم المحاسن داثر عاف ، وشخص المكارم حاسر حاف . ومهابط الوحي والرسالة تحني ظهرها أسفا ، ومعادن الوصية والإمامة تذري دمعها لهفا . وبقاع الحرمين متسلية على نجمها الآفل ، ولابسة ثوب الحداد لركنها المائل ، ويد المواساة مقبوضة عن معونة العاني الذليل « 1 » ، ولسان الجود معتذر إلى ابن السبيل ، وطوائف العفاة تبكي العيش الرطيب والربع الرحيب . والمشارع المعصومة من درن الضنّ ، والموارد المحروسة من كدر المنّ ، وذو والحاجات في حسرات مجددة ، وزفرات مرددة ، قد أقامت منهم حانية الضلوع ، وأطارت عنهم قلوبا دامية الصدوع . وبنو الآمال عابسة وجوههم ، منكسة رؤوسهم « يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم » ذلك لأن حادث قضاء اللّه - جل وجهه - استأثر بفرع النبوة ، وعنصر الدين والمروة ، وعصرة العدد الجم « 2 » ، ونجدة أهل العلم والفهم ، فالدموع واكفة « 3 » ، والصدور راجفة ، والهم وارد ، والأنس شارد ، والناس مأتمهم عليه واحد ، ومعاقد الصبر الجميل بعده منقوضة ، وقواعد البر والخير مخفوضة . فلولا أن الدهر مشحون بطوارق الغير ، مشوب صفو أيامه بالكدر ، ممزوج صابها بالعسل « 4 » ، موصول
--> ( 1 ) العاني : المحتاج والمعدم . ( 2 ) وعصرة العدد الجمّ : أي الزّبد المستخرج من الكثير بعد مخاض واعتمال كناية عن الشرف وعدم المماثلة والشبه . ( 3 ) واكفة : هاطلة . ( 4 ) الصاب : المرّ .